أحمد زكي صفوت
371
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
408 - كتاب علىّ إلى معاوية وكتب على إلى معاوية : « من عبد اللّه على أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان : « أما بعد : فإن الدنيا دار تجارة ، وربحها أو خسرها الآخرة ، فالسعيد من كانت بضاعته فيها الأعمال الصالحة ، ومن رأى الدنيا بعينها وقدّرها بقدرها ، وإني لأعظك مع علمي بسابق العلم فيك مما لا مردّ له دون نفاذه ، ولكنّ اللّه تعالى أحذ على العلماء أن يؤدّوا الأمانة ، وأن ينصحوا الغوىّ والرّشيد ، فاتّق اللّه ولا تكن ممّن لا يرجون للّه وقارا ، ومن حقّت عليه كلمة العذاب ، فإن اللّه بالمرصاد ، وإن دنياك ستدبر عنك ، وستعود حسرة عليك ، فأقلع عما أنت عليه من الغىّ والضلال على كبر سنّك ، وفناء عمرك ، فإن حالك اليوم كحال الثوب المهلهل « 1 » الذي لا يصلح من جانب إلا فسد من آخر . وقد أرديت جيلا « 2 » من الناس كثيرا خدعتهم بغيّك ، وألقيتهم في موج بحرك ، تغشاهم الظّلمات ، وتتلاطم بهم الشّبهات ، فجاروا عن وجهتهم ونكصوا « 3 » على أعقابهم ، وتولّوا على أدبارهم ، وعوّلوا على أحسابهم ، إلا من فاء « 4 » من أهل البصائر ، فإنهم فارقوك بعد معرفتك ، وهربوا إلى اللّه من موازرتك ، إذ حملتهم على الصّعب ، وعدلت بهم عن القصد « 5 » ، فاتّق اللّه يا معاوية في نفسك ، وجاذب الشيطان قيادك ، فإن الدنيا منقطعة عنك ، والآخرة قريبة منك ، والسلام » . ( شرح ابن أبي الحديد م 4 : ص 50 ، ونهج البلاغة 2 : 41 )
--> ( 1 ) ثوب مهلهل : أي رقيق سخيف النسج ، وفي الأصل « المهيل » وهو تحريف . ( 2 ) أي أهلكت قبيلا وصنفا . ( 3 ) أي رجعوا . ( 4 ) أي رجع ، والموازرة : المعاونة والمعاضدة . ( 5 ) القصد : استقامة الطريق .